فوزي آل سيف

53

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

ثانيا/ من أحاديثه وعلومه فترة إمامته عليه السلام: 1/ بدءا من سنة 148ه‍ وحيث كان للإمام موسى عليه السلام عشرون سنة تصدى لمنصب الإمامة وما تتطلبه من مواجهة الاشكالات العقائدية والفقهية وغيرها، وبطبيعة الحال كانت السلطة العباسية يهمها إسقاط النموذج الإمامي بين الناس بأية وسيلة ممكنة، فكانت الأسئلة (الصعبة في رأيهم) والتي لا يتمكن من الإجابة عليها هي الخيار المناسب. وبالرغم من أن المهدي العباسي لم يكن في قسوة أبيه المنصور ولا في خبث ابنه موسى الهادي أو مكر هارون العباسي إلا أنه لم يكن بطبيعة الحال حسن التعامل والموقف مع الإمام موسى بن جعفر وهو يراه امتدادًا لخط الإمامة الذي ينازعه خط الخلافة ولاءَ الناس وطاعتهم واستجابتهم، فحتى لو أقر للإمام بفضيلة فليس يعني ذاك أنه سوف ينفتح عليه ويفتح له الأبواب.. كلا وإنما قد يلقي سؤالا فإن عجز عنه الإمام (كما يتمنى الخليفة) فهو المراد حيث يظهر بمظهر سائر العلماء وأنه لا يتميز عليهم بميزة فعنده علم أشياء وقد تغيب عن علمه سائر الأشياء. وإن أجاب على ما هو المقصود استفاد من اجابته من دون أن يرتب على ذلك أثرا أكبر كالإقرار بتفوقه على سائر العلماء أو توليته منصبًا عاليًا هو جدير به بل لا يسوّى حتى بمن كان أصغر منه![120]. فقد نقل الكليني بسنده عن علي بن يقطين قال: سأل المهدي أبا الحسن عليه السلام عن الخمر هل هي محرّمة في كتاب عز وجل؟ فإن الناس إنما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون التحريم لها فقال له أبو الحسن عليه السلام: بل هي محرّمة في كتاب عز وجل يا أمير المؤمنين، فقال له: في أي موضع هي محرّمة في كتاب جلّ اسمه يا أبا الحسن. فقال: قول عز وجل: {قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ} فأما قوله: {مَا ظَهَرَ مِنۡهَا} يعني الزنا المعلن ونصب الرايات التي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهلية وأما قوله عز وجل: {وَمَا بَطَنَ} يعني ما نكح من الآباء لأن الناس كانوا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان للرّجل زوجة ومات عنها تزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمَّه فحرّم عز وجل ذلك. وأما الإثم فإنها الخمرة بعينها وقد قال عز وجل في موضع آخر: {يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ} فأما الإثم[121] في كتاب الله فهي الخمرة والميسر وإثمهما أكبر كما قال الله تعالى، قال: فقال المهدي: يا علي بن يقطين هذه والله فتوى هاشمية![122]. ومن ذلك ما روي عن الحسن بن علي بن النعمان، قال: لما بنى المهدي في المسجد الحرام بقيت دار في تربيع المسجد، فطلبها من أربابها فامتنعوا، فسأل عن ذلك الفقهاء فكل قال له: انه لا ينبغي ان يدخل شيئًا في المسجد الحرام غصبًا فقال له علي بن يقطين: يا أمير المؤمنين لو كتبت إلى موسى بن جعفر عليه السلام لأخبرك بوجه الأمر في ذلك.

--> 120  وما ينقل عن المأمون في حواره مع أبيه لما جاء الامام موسى بن جعفر ما يشهد لذلك. 121  ولعله يمكن تفسير مقالة الإمام بنحوين: الأول أن آية فيهما إثم كبير هو بمثابة الموضوع، والآية الأخرى: إنما حرم ربي الفواحش.. والاثم) هي الحكم فبجمعهما ينتج أن الله حرم الخمر التي هي الاثم. والنحو الثاني: على احتمال أن يكون الآية المباركة: قل فيهما: إثم كبير، كما تقول في شيء إنه حلال أو حرام، وهذا غير الوجه المعروف من أن المقصود أن يقول بأن فيهما إثمًا كبيرًا.. 122  عطاردي، مسند الإمام الكاظم 1/ ٦٤